مولي محمد صالح المازندراني

128

شرح أصول الكافي

ومحاسبتها وتصفية الظاهر والباطن عما ليس من طور الشريعة وتحليتهما بالفضائل اللايقة بهما ودوام الذكر والفكر ( وأعرض عن الجاهلين ) المستقرين في الجهل التابعين لإثارة أحكامه إذ معارضة الجهال جهل وسفه توجب طغيانهم في الجهالة والسفاهة وازديادهم في الأذى والإهانة ، وهذا أيضاً من آثار الحلم ( يا عيسى ذل لأهل الحسنة ) قال في القرآن المبين لسيد المرسلين : ( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) وهذا من آثار ملكة التواضع . ( وشاركهم فيها كما هو مقتضى القوة العقلية والعملية وكن عليهم شهيداً ) تمنعهم من المهلكات وتبعثهم على الصالحات وتشهد لهم بها في القيامة ( وقل لظلمة بني إسرائيل يا أخدان السوء والجلساء عليه ) الأخدان جمع الخدن بالكسر وهو الصديق وفي كنز اللغة : أخدان « دوستان » والسوء بالفتح خصلة مذمومة من قول وفعل وخلق وقد يُطلق على المتصف بها ، وهذان الوصفان أعني محبة السوء وأهله ومحبة الجلساء عليه لا يجتمعان إلاّ في الجري على الله المستحق لعقوبته . ( إن لم تنتهوا أمسخكم قردة وخنازير ) وعيدٌ لهم بالعقوبة الحاضرة غير ما مهد لهم من عقوبة الآخرة وقد وقع مسخ من لم ينته ، على ما نقل في السير . ( يا عيسى قل لظلمة بني إسرائيل الحكمة تبكي فرقاً مني ) الظاهر أن الحكمة بالتحريك : جمع الحاكم وهو صاحب الحكم والقدر والمنزلة من عند الله تعالى كالحفظة جمع الحافظ ، ويحتمل أن يكون بكسر الحاء وسكون الكاف على حذف المضاف أي صاحب الحكمة وهي العدل والعلم والحلم والنبوة ، وفرقاً مفعول له أي تبكي لأجل الخوف مني وخوفهم لمشاهدة العظمة واحتمال تقصيرهم في الطاعة وانتكاس حالهم في العاقبة أو لغير لذلك ( وأنتم بالضحك تهجرون ) أي تستهزئون ، والهجر بالضم والسكون : الفحش والقبيح من الكلام ، وهو اسم من « هجر يهجر » من باب قتل ، وفي لغة أخرى : أهجر في منطقة إهجاراً : أكثر حتى جاوز ما كان تكلم به قبل ذلك ، وأهجر بالرجل استهزأ به وقال فيه قولاً قبيحاً ورماه بالكلمات التي فيها فحش وفضيحة ، وهذه من باب لابن وتامر . ( أتتكم براءتي أم لديكم أمان من عذابي أم تعرضون بعقوبتي ؟ ) في كنز اللغة : « براءة : بيزارى از شيء » يقال : برئ زيد من ذنبه يبرأ - مهموز اللام من باب علم - براءة : إذا سقط عنه طلبه حتى كأنه لم يحتج إليه فهو بريء منه وبارىء ، والاستفهام للتوبيخ ، وإنما ردد بين هذه الأمور الثلاثة لأن حالتهم المذكورة توجب أن يكون لهم واحد منها قطعاً . ولكن الواقع لما كان هو الأمر الثالث ( قال : فبي حلفت لأتركنكم مثلاً للغابرين ) أي للباقين إلى يوم الدين ، والمثل بالتحريك : الحديث ; وتفسير الغابرين بالماضين والمثل بالشبه والنظير بعيد . ( ثم أوصيك يا ابن مريم البكر البتول ) أي المنقطعة عن الرجال أو عن نساء زمانها فضلاً وديناً وحسباً أو عن الدنيا إليه تعالى أو عن الحيض . ( بسيد المرسلين ) أي رئيسهم وأشرفهم وأكرمهم ( وحبيبي ) بمعنى الفاعل أو بمعنى المفعول ، وقد بلغت المحبة